ابن الجوزي
300
صفة الصفوة
المولى ؟ فقال : أين توجهت لقيت أعوانه ، وأين استقرت قدمك ففي داره . فقلت : ارفق بنفسك فربما أحرقك هذا الخوف . فقال : الحريق بنار خوفه - لعله يرضى - أحقّ وأولى . ثم أنشأ يقول : لم يبق خوفك لي دمعا ولا جلدا * لا شكّ أني بهذا ميّت كمدا عبد كئيب أتى بالعجز معترفا * وناره تحرق الأحشاء والكبدا ضاقت مساكنه في الأرض من وجل * فهب لي منك لطفا إن لقيك غدا فقلت : يا غلام ، الأمر أسهل مما تظن . فقال : هذا من فتنة البطّالين ، هبه تجاوز وعفا ، أين آثار الإخلاص والصفاء ؟ ثم صاح صيحة ، فخرجت عجوز من كهف الجبل ، عليها ثياب رثّة . فقالت : من أعان على البائس الحيران ؟ فقلت : يا أمة اللّه دعوته إلى الرجاء ؟ فقالت : قد دعوته إلى ذلك فقال : الرجاء بلا صفاء شرك . قلت : من أنت منه ؟ قالت : والدته . فقلت : أقيم عندك أعينك عليه ؟ فقالت : خلّه ذليلا بين يدي قاتله عساه يراه بعين معين فيرحمه . فلم أدر مما ذا أعجب ؟ من صدق الغلام في خوفه أو من قول العجوز وصدقها . انتهى ذكر عبّاد الجبال بحمد اللّه ومنّه . ذكر المصطفين من عبّاد الجزائر 899 - عابد عبيد اللّه بن أبي نوح قال : لقيت رجلا من العبّاد في بعض الجزائر منفردا فقلت : يا أخي ما تصنع ها هنا وحدك ؟ أما تستوحش ؟ قال : الوحشة في غير هذا الموضع أعمّ . قلت : مذ كم أنت ها هنا ؟ قال : منذ ثلاثون سنة . قلت : فمن أين المطعم ؟ قال : من عند المنعم . قلت : فها هنا في القرب منك شيء تعوّل عليه إذا احتجت إليه من المطعم رجعت إليه . قال : ما أكرثك « 1 » بما قد كفيته وضمن لك . قلت : أخبرني بأمرك . قال : ما لي أمر غير ما ترى ، غير أني أظل في هذا الليل والنهار متّكلا على كرم من لا تأخذه سنة ولا نوم .
--> ( 1 ) أي ما أشد اهتمامك وغمك .